يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
499
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ويروى أنه جرى بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين أخيه محمد ابن الحنفية رضي اللّه عن جميعهم كلام ، فافترقا متغاضبين ، فلما وصل محمد إلى منزله كتب إلى الحسين رضي اللّه عنهما : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد بن علي بن أبي طالب إلى الحسين بن علي بن أبي طالب ، أما بعد : فإن لك شرفا لا أبلغه وفضلا لا أدركه ، أبونا عليّ لا أفضلك فيه ولا تفضلني ، وأنك فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولو كان ملء الأرض نساء مثل أمي ما وافين بأمك ، فإذا قرأت رقعتي فالبس رداءك ونعليك وتعال فترضني ، وإياك أن أسبقك إلى هذا الفضل الذي أنت أولى به مني ، والسلام . فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء إليه فترضاه رضي اللّه عنهما وعمن اقتدى بهما . مبحث العفو : ومما يتعلق بهذا الباب : العفو عن الجاني لا سيما مع المقدرة عليه . كما يروى عن علي رضي اللّه عنه : إذا قدرت على عدوّك فاجعل عفوك عنه شكرا للمقدرة عليه . ومن أمثالهم في هذا المعنى : لا تشن حسن الظفر بقبيح الانتقام . ويروى عن يحيى بن خالد أن رجلا جفاه فأمر بإحضاره وقال له : أتعلم أني قادر على إساءتك ؟ قال : بلى ، قال : فانصرف ، فإنما يمنعني منك قدرتي عليك . ومن أمثال الحكماء : الاقتدار يمنع الحرّ من الانتصار . وقيل لبعض الحكماء وكان من أهل المقدرة : إن فلانا ينتقصك ، فلو عاقبته ، قال : ذلك أعذر له في انتقاصي . هذا كله مع ترك اعتذار الخاطئ ، وأما إذا اعتذر وأقرّ بالذنب فالعفو عنه في حكم المروءة واجب أو قريب منه ، ألم تسمعوا قول الشاعر : إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه * وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب آخر : إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا * إليك ولم تغفر له فلك الذنب وقال بعضهم : العفو عن الذنوب لذة لا يبلغها بل العليل من الأسقام . ويحكى أن المأمون عتب على إبراهيم بن المهدي ، فلما دخل عليه أنشده : ذنبي إليك عظيم * وأنت أعظم منه فخذ بحقك أولا * فاصفح بفضلك عنه إن لم أكن في فعالي * من الكرام فكنه ومثل هذا حكى ابن أبي داود ، قال : ما رأيت رجلا عاين الموت ملء عينيه فلا أذهله ولا أشغله عما كان يجب أن يفعله ، غير تميم بن جميل ، أتي به إلى المعتصم باللّه